العرض في الرئيسةفضاء حر

خيانة العدالة والجواز الدبلوماسي

يمنات

المحامي سنان منصر بيرق

عاد الحزن اليوم ليُجدّد في قلبي جرحا قديمًا، جرحا لم يبرأ رغم مرور السنين، كأنّما القدر أبى إلا أن يترك ندوبه محفورة في روحي. مذكّرة ورقية، مجرّد أوراق بالية، لكنها تحمل بين طيّاتها حكاية من الألم، ذكريات محاولاتي البائسة للسفر إلى المغرب، ضمن بعثة دراسية من وزارة العدل اليمنية. حلمٌ كان يتلألأ في الأفق، يتراءى لي كسرابٍ، كلما اقتربتُ منه، تلاشى في غياهب البيروقراطية والخذلان.

تسعة عشر شهرًا قضيتها في عدن، مدينة كانت لي أشبه بمحطة انتظار أبدية، حيث وجدتُ نفسي أسيرَ أروقةٍ لا تنتهي، وأبوابٍ تُوصَدُ في وجهي واحدًا تلو الآخر. كنتُ أطرقها جميعًا، ببقايا أملٍ يذوي في كل مرة، بين صدٍّ قاسٍ وتسويفٍ ممل. لم تكن عدن وحدها مسرح معاناتي، بل كانت هناك مأرب والضالع، لكن عدن كانت الأشد وطأة، حيث تعلمتُ كيف يُمتحن الصبر، وكيف يذوب العمر بين انتظارٍ لا طائل منه.

في تلك الرحلة العصيبة، التقيتُ رجالا لن يمحهم النسيان، رجالا منحوني دفءَ الأخوّة وسط برد الغربة، وسندوا روحي حين كادت تنهار. وهناك أيضا من كانوا بصيص ضوءٍ في دهاليز الظلم، القاضي جمال محمد عمر، والقاضي فهيم الحضرمي، رحمهما الله، رجالٌ كان وجودهم عزاء لي في زمنٍ عزّ فيه العون.

ما زلتُ أذكر كيف تسلّلتُ إلى مكتب محافظ الضالع، اللواء فضل الجعدي، شابًا غريبا يحمل حلُمًا هشًا، يبحث عن بصيص نجاة. كنتُ لا أملك سوى كلماتي، أحملها كسلاحٍ أخير، أستميت في الدفاع عن فرصتي، وكان عليّ إقناعه بمخاطبة وزارة الخارجية. كانت المهمّة أشبه بمعركة، تخلّصتُ فيها من مدير مكتبه بحيلةٍ لا تخلو من المراوغة، حتى ظفرتُ بما أردت. لكن الحياة كانت دائما تجيد إفساد الفرحة، فقد كان هناك رجلٌ من المفترض أن يرافقني في ذلك اليوم، غير أن القدر شاء أن تُصاب والدته بجلطةٍ دماغية، فحال المرض بينه وبين مرافقتي.

في قلب هذه المعاناة، تلقَّيتُ خمسين ألف ريال يمني، مكافأةً على إنجاز معاملةٍ لأحد أبناء عمومتي. مبلغٌ لم يكن سوى قطرةٍ في بحر حاجتي، لكنه كان زادي الأخير، تصرفتُ به كالمحارب الذي يقتسم آخر شربة ماء، في صحراء لا نهاية لها.
رغم ثقل الأيام، لم تكن تخلو رحلتي من لحظاتٍ ساخرة وسط الألم، فقد كان “فندق السنافر” في عدن مأواي، مكانًا ضاق بي وضقتُ به، أبحث عن مخرجٍ منه فلا أجد، وحتى حقيبتي، التي عزمتُ ألّا أفتحها حتى أصل إلى الرباط، ضاعت بين زحام الأيام، تاركةً خلفها حسرة ووجعًا، فقد كانت تحمل ملابسي وكتبي، كل ما كنتُ أملك آنذاك.

لم تكن رحلتي إلى عدن سهلة، ففي مدخل المدينة، عند “جولة الرباط”، أوقفوني، أنزلوني من الحافلة كمتهمٍ لا كمسافر، استجوبوني، فتحتُ لهم حقيبتي، فتَّشوا أوراقي، ثم رمقوني بنظراتٍ باردة، كأنني دخيلٌ على مدينتهم. لا أذكر كم مكثتُ عندهم، لكنني أذكر شعور الغربة، أذكر جيدًا كيف كنتُ كعصفورٍ ضلَّ عشّه. وفي إحدى ليالي عدن الأولى، بينما كنتُ أتوضأ في جامع النور، سقط هاتفي المتواضع في مياه المغسلة، وكأنما فقدتُ بصري في عتمة الغربة. شعرتُ حينها أن الدنيا قد أظلمت فوق ظلام فقري وعوزي وشتاتي.

ثم جاء ذلك اليوم المشؤوم… يوم رحيل القاضي جمال محمد عمر. لم أكن قريبا منه كما كنتُ أتمنّى، لكن موته كسر شيئًا بداخلي، شعرتُ أن الركن الذي كنتُ أستند عليه قد انهار، وأن الأبواب التي كنتُ أعلّق عليها آمالي أُغلقت واحدةً تلو الأخرى. عندها، قرّرتُ المغادرة مؤقتًا، فرحلتُ إلى مأرب، حيث قضيتُ خمسة وأربعين يومًا، قبل أن أعود إلى عدن، وأعاود المحاولات من جديد.

في تلك الرحلة القاسية، أصابتني حمى الضنك مرتين، المرة الأولى كانت قاسيةً كادت أن تودي بحياتي، دخلتُ بسببها العناية المركزة في مستشفى عدن الألماني الدولي، ستة أيام بين الحياة والموت، لولا لطف الله، ووقفة الأخ أحمد حسن، وموقف الأخ بدر، والمنشور الذي كتبه الصحفي صالح مثنى، والذي أفزع أهلي، حتى كادت أمي تعلن الحداد عليّ وأنا لا أزال حيًا. هناك، في ذلك السرير البارد، رأيتُ أهوال المرض، رأيتُ كيف يدخل المرء إلى العناية المركزة فلا يخرج إلا محمولًا على الأكتاف… إلا أنا، خرجتُ محمولًا بحكايةٍ تستحق أن تُروى.

هذه ليست مجرد قصة، بل شهادة على صراعٍ مرير، رحلةٌ من القاع إلى قاعٍ آخر، لكنها أيضا رحلة زرعت في روحي درسا لا يُنسى. في تلك الأيام العصيبة، رأيتُ وجوه الرجال على حقيقتها، عرفتُ من وقف إلى جانبي، ومن تراجع إلى الخلف، حيث الجُبن والخذلان. كنتُ شابًا قادما من ريف جبل العود، يحمل حلُما واحدًا: أن يكون قاضيًا، لكن الأبواب أُغلقت في وجهه، ليس لأنه لم يكن جديرا بها، بل لأن البلاد كانت تغرق في الفوضى، والحرب التهمت معهده في صنعاء، ولم تُفتح له أبوابٌ في عدن.

لكنني رغم كل شيء، لم أنكسر، لم يمت الحلم في داخلي، بل بقيتُ واقفًا كالنخيل في وجه العاصفة، أقاوم، أنتظر لحظة العبور نحو المستقبل، نحو العدالة التي ناضلتُ من أجلها… وأؤمن أن يوما ما، ستنصفني الحياة.

وهنا تبدأ الحكاية
لم يكن دخولي كلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء محض صدفة، بل كان اختيارا رسمت ملامحه منذ الصغر، حلمت أن أكون قاضيا في الدرجة الأولى، فإن لم يتحقق ذلك، فالمحاماة والعمل الحقوقي هما البديل. وبعد اجتيازي امتحانات السنة الأخيرة، وجدت نفسي أمام مفترق طرق: إما العودة إلى قريتي، حيث النزاعات التافهة والمشاكل التي لا تساوي شروى نقير، أو البقاء في المدينة، حيث المنافسة، الفرص، والنجاح. لم يكن لي أن أعود إلى حياةٍ تنشغل بصراعات الجدران والأشجار، بل كنت أطمح إلى آفاق أوسع، إلى ساحات العدالة حيث يُصنع التاريخ.

لم أنتظر طويلًا، فمنذ اليوم الثالث بعد آخر امتحان، التحقت بمكتب المحامي رسام علي، بعد توصية مُلحّة من أخيه الأستاذ محمد، الذي التقيته قبل أشهر في مجلسٍ شعبي، حين كنت أتحدّث عن قضية تخص ابنه. دخلت المكتب بلهفة العطشان الذي يبحث عن جرعة ماء، وكلّما ارتوى، زاد ظمؤه. رأى المحامي فيّ الجد والمثابرة، فلم تمضِ فترة قصيرة حتى منحني إنابة مباشرة، وقال لي بثقة: “من اليوم، أنت محامٍ.” كنت لا أزال في انتظار شهادتي الجامعية المحبوسة في أدراج جامعة صنعاء، التي كانت تسير بإيقاعٍ روتيني ممل وبطيء، كأنها تتعمَّد تعطيل الأحلام.

الحلم الذي أيقظني من غفوتي

مضت الأشهر، وفي أحد الأيام، وبينما نحن في مقيل القات بالمكتب، سمعنا أستاذي المحامي علي مُحرَّم يتحدث عن القضاة اليمنيين الذين درسوا في المعهد العالي للقضاء بالمغرب. كانت كلماته كالصاعقة، لم أكن أعلم أن هناك يمنيين نالوا فرصة دراسة القضاء خارج البلاد! كنت سمعت عن ذلك عرضًا أيام الجامعة، لكنني لم أولِ الأمر اهتمامًا آنذاك. انتفضتُ من مكاني وسألته بلهفة: “كيف درسوا؟ كيف حصلوا على الفرصة؟” فأخبرني بجزء من المعلومة، لكن شغفي لم يكن ليهدأ بنصف إجابة.

خرجت من المكتب على عجل، شحنت رصيدي، وبدأت سلسلة اتصالاتي بمن أعرفهم في وزارة العدل بصنعاء، راجيًا أن أجد مخرجا يُحقِّق حلمي بالابتعاث إلى المغرب. لكن الردود كانت كصخور تسد الطريق: “يا بيرق، صنعاء غير معترف بها دوليًا، والمغرب محسوب على الجهة المعادية، لا أمل في الابتعاث.”

عدت إلى المكتب مثقلا بخيبة الأمل، لكنني لم أستسلم. كانت ليلة باردة، وأقدامي أنهكها الوقوف، لكن عقلي كان مشتعلا بفكرة واحدة: لا بد من المحاولة. مع اقتراب الفجر، اتخذت قراري الحاسم: سأغادر صنعاء إلى عدن، لعل وزارة العدل هناك تكون أكثر استجابة.

الرحلة نحو المجهول

لم يكن معي سوى العزيمة وبعض الريالات، فاتصلت بابن عمي الفندم صلاح القاضي بيرق، طالبا منه عشرين ألف ريال، فبعثها لي على الفور. مع أول خيوط الفجر، انطلقت في رحلة طويلة، أولى رحلاتي بمركبة كبيرة، فقد اعتدت سابقًا على تنقلات القرى البسيطة. لم أخبر أحدًا من أهلي، فلم أشأ أن أزيد قلقهم، يكفيني ما أحمله وحدي من هموم وتحديّات.

كانت الرحلة شاقة، وكل بضع كيلومترات كُنَّا نتوقف عند نقاط تفتيش، أكثر من ستين نقطة أمنية، أسئلة لا تنتهي، تفتيش مرهق، وإنزال ركاب بالقوّة. كلما اقتربنا من عدن، زادت المشقة، حتى وصلنا إلى نقطة الرّباط عند الثانية فجرًا، وهناك بدأ التحقيق معي وكأنني قائد جيوش المغول!

الامتحان الأصعب

في غرفة التحقيق، انهالت عليّ الأسئلة، وأنا أجيب بإيجاز تعلمّته من دراستي للقانون. كنت مرهقا، جائعًا، ولم أصلِّ المغرب والعشاء. طلبت الحمام، طلبت طعامًا، لكن لا أحد استجاب. بعد ساعة، اقتادوني إلى قائد النقطة، الذي سألني فجأة: “كم أعطيت الجندي الذي حقق معك؟”

ضحكت رغم التعب وقلت: “يا فندم، لو كنت أملك مالا لما كنت هنا، أنا أولى بالمساعدة. جئت إلى هذه المدينة لتحقيق حلم علمي، وليس لدي إلا ما أعيش به يومي.” لكن القائد كان مصرًا على اتهامي بدفع رشوة، وهنا سنحت لي فرصة لإحراجه، فقلت له بهدوء ساخر: “لقد أعطيته نفس المبلغ الذي أعطيتك إياه.” انفجر الجنود ضاحكين، وأدرك القائد أنه أخطأ في ظني، فقال: “انصرف، الله معك.”

خرجت من النقطة قبل الفجر، بلا مال، بلا مأوى، لكنني كنت ممتلئا بالإصرار. طلبت من الجنود إيقاف سيارة لي، فركبت بجانب سائق شاحنة توزيع أدوية، أُرهقت عيناي من السهر، لكن عقلي ظل يقظًا، يطرح الأسئلة ذاتها: إلى أين أنا ذاهب؟ من سيساعدني؟ كيف سأمضي في طريقي؟
لم أكن أملك إلا حلمًا، وإرادة لم تنكسر بعد .

رحلة البحث عن الحلم وسط أوجاع الغربة

وصلتُ إلى أطراف المدينة، وكانت المآذن قد أعلنت صلاة الفجر، فيما لم يبقَ في جيوبي سوى ثمانية آلاف ريال، وحقيبة تحتوي على بضع ملابس. دخلتُ المسجد، صلّيتُ الفروض الثلاثة المتتابعة، وجلستُ أرقب طلوع الضوء، منتظرا لحظة الأمان التي تجلبها أشعة الصباح الأولى. وحين بزغ النهار، استقللتُ دراجة نارية، وانطلقتُ في رحلة البحث عن فندق بإيجار زهيد، متنقلًا بين الأول والثاني والثالث، حتى بلغ بي اليأس مداه، فوجدتُ نفسي مضطرا للمبيت في لوكندة الشيخ عثمان، حيث لا تتجاوز الأجرة اليومية مئتين وخمسين ريالًا.

كان المكان رثًّا، يعجُّ بأرواحٍ أرهقها الفقر والتشرد، ووجوهٍ يكسوها الاتساخ والإنهاك. لطالما كرهتُ المبيت في مثل هذه الأماكن العامة، لكنني لم أملك رفاهية الاختيار. صعدتُ إلى الطابق الأخير، وضعتُ حقيبتي في مكان الاستقبال، ثم ألقيتُ بجسدي المتعب فوق السرير المتواضع. في الأيام الأولى، ظللتُ متوجسًا، حتى تعرّفتُ على رجلين مسنّين، متقاعدين من السلك العسكري، وجدتُ فيهما الطيبة والأمانة. عندما رأيتهما في السوق يخزنان القات بخمسمئة ريال، قلتُ لهما: “من اليوم وحتى أغادر، أجرة سكنكما عليّ، والقات كذلك.” لم يكن كرمًا بقدر ما كان سعيا للعثور على رفاق أستأمنهم على أغراضي عند نزولي لاستخدام الحمامات المشتركة في الطابق الأول.

يوما بعد يوم، بدأ مجلسنا يتَّسع، وبتُّ أستقبل في مقيل القات المزيد من الرفاق، حتى أصبح المكان مقصدا لكل من يحمل همًا أو قصة. كان أغلب نزلاء اللوكندة مسافرين يبحثون عن الرزق، أو مرافقين لمرضى يرقدون في المستشفيات، أو عاطلين عن العمل لم يجدوا مأوى، أو أصحاب معاملات أرهقهم الانتظار في دهاليز وزارة الدفاع والأمن، مثل الرجلين اللذين تعرفت عليهما أول يوم. في حضرة هؤلاء البسطاء، كنتُ أشعر وكأنني بين أهلي، فقد كانوا يُخفّفون عني كثيرا من أعباء الغربة والتعب. خمسة عشر يومًا عشتها معهم، لكنها بدت وكأنها سنة كاملة من الألفة والمواساة.

كل صباح، كنتُ أذهب إلى مقر وزارة العدل، حيث كان الوزير وطاقمه يباشرون أعمالهم في محكمة صيرة الابتدائية، مقابل عدن مول، بشكل متقطّع ؛ لأن مبنى الوزارة لم يكن قد اكتمل بعد، إثر انفصالها حديثًا عن إدارة صنعاء. هناك، التقيتُ بالقاضي الكريم الراحل جمال محمد عمر، عرّفته بنفسي وأخبرته بمطلبي، فلبّى الطلب على الفور. لكن حصولي على الابتعاث الرسمي استغرق ثلاثة عشر يوما بسبب البيروقراطية القاتلة، وتعقيدات الادارة الحكومية التي كانت لا تزال في طور التشكّل.

القاضي جمال، كان رجلا نبيلاً، يجمع بين هيبة القاضي وحنكة الاداري وشهامة القبلي. في كل زيارة، كان يستقبلني بطيبة واحترام، حتى إنه سألني ذات مرة: “هل ترغب في العمل معنا في السكرتارية بمكتبي؟ سيكون لك راتب جيّد.” لكنه لم يكن يدرك أنني لم أقطع كل هذه المسافات إلا لهدف واحد، فقلتُ له بكل ثبات: “يا صاحب المعالي، لم آتِ إلى هنا إلا لأجل الابتعاث والسفر لدراسة القضاء، والعودة لخدمة بلادي في هذا المجال العظيم.”

حين حصلتُ أخيرًا على قرار الابتعاث، قررتُ مغادرة اللوكندة، وانتقلتُ إلى فندق السنافر في جولة السفينة. كان الفندق يُستثمر من قِبَل رجل يُدعى ناجي الشرجي من مخلاف العود، مديرية قعطبة، محافظة الضالع. استأجرتُ غرفة في الطابق الخامس، واخترتُ واحدة ذات شرفة تطلّ على الشرق، حيث يأتي الهواء العليل من البحر، فيبدد شيئا من تعب الأيام القاسية. كانت الأجرة اليومية ثلاثة آلاف ريال، مبلغًا كبيرًا بالنسبة لوضعي، لكنه كان ضروريا بعد أن ضاقت بي اللوكندة، واكتفيتُ من العيش بين الجدران المتسخة والممرات الضيقة.

بعدها، بدأتُ رحلة استكمال الموافقات اللازمة للسفر، غير أن ذلك الزمن لم يكن رحيما بأحلامنا. كانت اليمن قد تحولَّت إلى عزلة دولية، فلا سفارات ولا ممثّليات، حتى سفارة المملكة المغربية التي قصدتها، كان طاقمها قد غادر منذ الأيام الأولى للأزمة. لكنني كنتُ قد عقدتُ العزم، ولا مجال للتراجع.
بين الجواز والحلم: رحلة التيه بين العواصم والأوجاع

لم تكن الطريق مفروشة بالورود، ولم يكن السفر مجرّد تذكرة وحقيبة. كان الوطن يضيقُ بنا شيئا فشيئًا، حتى غدت المسافات بيننا وبين أحلامنا أطول من قدرتنا على احتمالها. غادرت سفارة المملكة المغربية صنعاء، تاركة خلفها أبوابا موصدة وعوائق مرهقة. كنتُ أحاول الحصول على تأشيرة الجواز، لكنني اصطدمت بجدران البيروقراطية الصّمّاء، ولم يكن بإمكاني السفر إلى أي بلد آخر لاستصدارها، فباتت رحلتي إلى المغرب، حيث ينتظرني مقعدي الدراسي في المعهد العالي للقضاء، حلما يذوي مع كل يوم يمر.

لم أكن وحدي في هذه المعركة، فقد كان إلى جانبي رفيق الدراسة القاضي خالد القريضي، ذلك الرجل الشهم الشجاع، الذي تعرَّفتُ إليه ونحن ننتظر في صالة كلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء، نترقّب خروج الشهادات الجامعية. كنتُ قد حصلتُ على الابتعاث قبل أن تصدر شهادتي، فعدتُ بعد أشهر إلى صنعاء أطرق كل الأبواب، أخشى أن يضيع ابتعاثي قبل أن أصل إليه.
بعد جهدٍ شاق ومتابعة مرهقة، استلمتُ شهادتي وعدتُ إلى عدن، حيث كان القاضي خالد ينتظر، ليبدأ فصلٌ جديد من مشوار العناء.

تقاسمنا الهموم بين أروقة المجمع القضائي في عدن، نطرق الأبواب ونلاحق الأوراق، نغالب الخوف من أن تتبدّد فرصتنا بسبب تأشيرة مستحيلة. كل الطرق كانت مغلقة، والجوازات العادية لم تعد ممكنة، فصار أملنا الوحيد أن نحصل على جواز خاص.

في وزارة العدل، التقيتُ ذات يوم بالقاضي عزالدين الأموي، وكان دهشته كبيرة عندما سمع وزير العدل الراحل ينادي باسمي، فسألني بدهشة: “من أين تعرفه؟ وكيف حصلتَ على مقعدك؟” لم يكن سؤاله غريبًا، فلطالما ساد الاعتقاد بأن مقاعد الابتعاث إلى المغرب لا تمنح إلا لأبناء السياسيين وأصحاب النفوذ. ابتسمتُ وقلت له ممازحًا: “خالي الدكتور أحمد عبيد بن دغر”، لكنه لم يصدقني حتى أقسمتُ له بأغلظ الأيمان أنني لا أعرفه، وأنني حصلتُ على الابتعاث لأنني أستحقه، لأن هذا حقي.

حين اطلع القاضي عزالدين على قرارات ترشيحنا، بدت عليه ملامح الحزن، إذ كان ترشيحنا واضحا وقاطعا بالسفر، أما ترشيحه فقد كان ضعيفا لا يحمل قوة التنفيذ. نظرتُ إليه وقلتُ مطمئنًا: “العبرة بالخواتيم، ربما تسافر أنت، وأتعرض أنا لعراقيل لم نحسب حسابها.” ثم قرّرنا إعادة طباعة ترشيحه من جديد، وعدنا ثلاثتنا إلى الميدان، نحاول أن نجد مخرجا من هذا النفق المظلم.

رفع وزير العدل الراحل مذكراتٍ إلى وزير الخارجية، طالبا منحنا جوازات خاصة، لكننا اصطدمنا مرة أخرى بجدار الصمت. لم يتجاوب وزير الخارجية الأسبق عبدالملك المخلافي مع طلبنا، رغم محاولاتي التواصل عبر بعض المعارف والمقربين منه، لكن كل ما حصلتُ عليه كان وعودا جوفاء، وأبوابا لا تفتح إلا لمن يملك ثمن المفتاح.

وفي الوقت الذي كانت فيه الجوازات الخاصة تُباع بستة آلاف دولار، كان مبتعثٌ مثلي لا يجد وسيلة للسفر من أجل العلم وخدمة العدالة. كنتُ أشعر بالقهر، كيف يحصل طفلٌ في السابعة عشرة على جواز خاص بالمال، بينما أنا، الذي أحمل اسم البلاد على كتفي، أعجز عن الحصول عليه؟! لكنني لم أحقد، فالشجعان لا يحقدون، بل يقاتلون بصبر.

الوقت يمضي، والمصاريف تزداد. كنتُ أدفع يوميًا ثلاثة آلاف ريال لإيجار الفندق حتى دعاني القاضي خالد للاقامة معه في عمارة مهجورة بمنطقة العريش، يحرسها ابن عمه. دخلتُ المبنى، فوجدته فخمًا، أشبه بقصر مشيّد، لكنه كان فارغا من كل شيء: لا ماء، لا كهرباء، ولا حتى فراش نرقد عليه. مضى شهرٌ كاملٌ ونحن نعيش داخل الجدران الباردة، نخرج صباحًا إلى الوزارة، ثم نعود متعبين، نشتري القليل من الطعام، ونحاول قتل الوقت بمضغ القات. في الصباح، كنا نسبح في البحر، نغتسل بمياهه المالحة، ثم نتوجه إلى الوزارة، وقد جفت ملابسنا تحت شمسٍ حارقة.

لكن الحياة في ذلك المكان لم تكن ممكنة، فالناموس لا يرحم، والظلام لا يليق بالأحلام. عدتُ إلى الفندق رغم الضائقة المالية، واستأنفتُ دفع الايجار، بينما كنتُ أبحث عن أي وسيلة للبقاء. كنتُ أذهب إلى وزارة التعليم العالي في خور مكسر، حيث أصبحتُ أساعد بعض الطلاب في إنجاز معاملاتهم، وأتقاضى مبالغ زهيدة ممن يستطيع الدفع، حتى أتمكّن من الصمود. كنتُ أنجز الضمانات التجارية للطلاب، وأساعدهم في الحصول على منح دراسية، فاستطعتُ تأمين 26 منحة دراسية ومساعدات مالية لزملائي، فيما كنتُ أنا عاجزًا عن حلّ مشكلتي الخاصة.

وفي لحظةٍ غير متوقعة، وجدتُ اسمي يتصدر قائمة الاحتياط للدراسات الانسانية في الصين، بعد أن قام بعض معارفي في وزارة التعليم العالي بإضافتي إلى القائمة دون علمي. تلقيتُ اتصالا من ابن عمي المقيم هناك، يهنئني، ويطلب مني الاستعداد للسفر. كان سعيدًا، أما أنا فكنتُ أبتسم بمرارة، فقد علّمتني التجربة ألا أصدق إلا ما أراه يتحقق أمامي.

عدتُ إلى قريتي، حيث كان والداي ينتظرانني، يظنان أنني على وشك السفر، بينما كنتُ أحمل على كاهلي هموما لا أجرؤ على البوح بها. لم أشأ أن أحزن قلبيهما، فكنتُ أخبرهما أن كل شيء يسير على ما يرام، رغم أنني لم أكن أعرف من الراحة سوى اسمها.

رحلة العناء والبحث عن الأمل
وبينما كنتُ هناك، جاءني اتصالٌ من مأرب، يطلبون مني الاسراع في السفر لمرافقة مريض إلى الرياض. لم يكن ذلك الاتصال مجرّد صدفة، بل كان بابًا خفيًا فتحته لنفسي منذ زمن، دون أن أتوقّع أن يُفتح يومًا. كان ذلك النداء بمثابة القشّة الأخيرة التي أتمسّك بها للوصول إلى المغرب، فحزمتُ حقيبتي، وانطلقتُ على الأقدام نحو “قرين الفهد”، على بعد ستة كيلومترات، لأن جيبي كان خاليا من أي ريالٍ يعينني على الطريق.

مررتُ بمعسكرِ حُلمٍ يتبعُ الشرعيةَ في عدن، يضجُّ بأبناءِ عمومتي، حيثُ النعيمُ مقيمٌ، والرخاءُ يُظلّلهم بظلاله الوارفة. كنتُ أعلمُ أنّ بينهم الكريمَ ابنَ الكرام، وأنّ أيديهم مبسوطةٌ بالعطاء، وأرزاقهم وفيرةٌ كالغيثِ المنهمر. ورغمَ حاجتي التي أرهقتْ روحي، وتعثُّري الذي أثقلَ خطاي، لم أجرؤ على مدِّ يدي إليهم، كأنَّ بيني وبين السؤالِ سدًّا من كِبَرِ الألم، أو كأنَّ الاستدانةَ منهم كانت ستكسرُ ما تبقّى من شموخي الهشِّ في مهبِّ الحاجة.

واصلتُ السير حتى وصلتُ إلى “قعطبة”، وهناك، سبقتني حوالةٌ زهيدة من صنعاء، كانت بمثابة طوق نجاة، استلمتها على عجل، واستقللتُ أول وسيلة نقل إلى مأرب، حيث كنتُ على موعدٍ مع القدر…

قبل مغادرتي عدن، اتصلت بابن جدي، الشيخ الأصيل عباس علي القحيف، وأخبرته: “أنا في طريقي إليك، ولا أريد إخبار أحد، حتى خالي العزيز الجنرال عبدالباسط، لا أريد أن أشغله فوق ما هو مشغول.” كنتُ أملك خمسة عشر ألف ريال فقط، وحلما لا ينطفئ بالسفر إلى المملكة، لإنهاء معاملة التأشيرة والذهاب إلى المغرب.

غادرتُ عدن مع طلوع الفجر، كما اعتدتُ في كل سفر، على متن سيارة “هايلوكس”، وفي بداية مدينة أبين، نزلنا لتناول وجبة الفطور على عجل، ثم واصلنا الطريق. وعند الظهيرة، وصلنا شبوة، وهناك تناولنا الغداء في مطعم شعبي جميل، واشتريتُ قليلا من القات بما تبقى لدي من مال، بعد أن دفعت أجرة السيارة إلى مأرب. وعند دفع الأجرة، لم يبقَ في جيبي ريالٌ واحد، سوى العزيمة والاصرار على السفر، كنتُ مؤمنًا إيمانا مطلقا بأن همتي أغلى من أي مالٍ يملكه من لا همة له ولا هدف.

وصلتُ مأرب مع غروب الشمس، وشرعت المآذن تنادي لصلاة المغرب. عندما وصلتُ إلى آخر محطة لسيّارات النقل، رأيتُ الشيخ عباس القحيف واقفًا هناك، يوزّع نظراته على السيارات القادمة، كأنه يترقّب وصولي. نزلتُ من السيارة، وقلت لنفسي: “هنا تبدأ الرحلة، وهنا تستأنف المعاناة.”

دخلنا مطعمًا، تناولنا العشاء، ثم اتجهنا إلى الوجهة التي اختارها لي مضيفي الكريم. قضينا الليلة في أحاديث ممتزجة بالتعب والضحك، رغم الارهاق الذي أثقل أجسادنا. في الصباح، تواصلتُ مع صديقٍ لي، كنتُ قد طلبتُ منه مساعدتي على الخروج من مأرب والوصول إلى الرياض بأي طريقةٍ كانت، شرعية أو غير شرعية، فالحلم كان يعلو فوق كل اعتبار. أعطيته بطاقتي الشخصية، فقال لي: “سنرتّب لك السفر برفقة جريح من الجرحى، وبمجرد وصولك، تفترق عنه وتمضي في طريقك.”

وافقتُ دون تردّد، فقد كنتُ مستعدا للمضي بأي سبيلٍ يضمن وصولي إلى هدفي، حتى لو قيل لي: “سترافق شحنة من المحظورات”، لما تردّدتُ لحظة، لأن كل السبل المؤدّية إلى الحلم، في نظري، كانت مشروعة.

انتظرتُ أسبوعًا كاملًا، حتى جاءني الرد القاسي، الذي لم أكن أتوقَّعه، ولم يتوقّعه من طلب مني السفر إليه. كان القرار السعودي واضحا وحاسمًا: “تمنع المملكة العربية السعودية دخول الجرحى اليمنيين إلى أراضيها مؤقتًا، نظرا لتوفير المعدات الطبّية والكوادر اللازمة في مأرب.”

كان وقعُ الخبر على قلبي كالصاعقة، لكنّه لم يهزمني. قلتُ لصديقي وللشيخ عباس: “بما أنني قد وصلتُ مأرب، سأذهب لزيارة خالي العزيز، وأمكث عنده بضعة أيام، فقد يتراجعون عن القرار، وتُفتح لي نافذة أمل جديدة.”

اتصلتُ بخالي، ولم يصدّق المفاجأة، وعندما أدرك أنني في المجمع، أرسل إليَّ طقمًا عسكريًا كان في مهمةٍ قريبة. أقلّني الجنود إلى “صافر”، حيث التقاني الخال العزيز، الذي قطع لأجلي ستين كيلومترا داخل الصحراء، وهي المسافة الفاصلة بين منطقة عمله وصافر. ومن هناك، واصلنا المسير حتى وصلنا منزله، ذلك البيت المتواضع الذي غمرني بكرمٍ لمسته في كل زاوية منه.

مكثتُ عنده ستة وعشرين يوما، وأنا أبحث عن أي طريقةٍ أخرى للخروج، لكن دون جدوى. في النهاية، قررتُ العودة إلى عدن، ومواصلة النضال هناك، بعزمٍ لا يلين، فأنا مؤمنٌ بحقي في هذا الوطن، مؤمنٌ أن لي نصيبا في حياةٍ كريمة، ولو كلفني الأمر سنوات من المعاناة.

قبل أن أرحل، ذهبتُ إلى المجمّع، حيث كنتُ أتمسك ببصيص الأمل في السفر. انتظرتُ أسبوعًا آخر، لكن حين أيقنتُ أن لا فرصة تلوح في الأفق، حزمتُ أمتعتي، وقفلتُ راجعًا إلى عدن، حيث تنتظرني دوامةٌ جديدة من المتابعة والتعب داخل أروقة المجمع القضائي، ووزارة العدل، ووزارة التعليم العالي.

وفي الوقت ذاته، كنتُ ما زلتُ أحمل أمل السفر إلى الصين، ذلك الأمل الذي بدا قريبا في البداية، لكنه تحطم على صخرة السياسة. كان الصينيون كل عام يقبلون الطلاب من الكشف الأساسي والاحتياط، إلا العام الذي سُجِّل فيه اسمي، إذ تم رفض الكشف الاحتياطي بالكامل. ويا لها من بشارةٍ سوداء أضافت حزنا فوق حزني!

لكنني لم أيأس. استأنفتُ المتابعة في وزارة العدل، برفقة الزملاء خالد وعزالدين، الذين لم يخسروا ربع ما خسرته، وخاصة عزالدين، ذلك الذي بدا أن الحظ يُمطره بركات السماء. طرقتُ باب وزارة الخارجية، لكن دون جدوى، فقد جاء الوزير الجديد، اليماني، بعد أن أوصل سلفه، المخلافي، سمعة الوزارة إلى الحضيض، وأصبح للجوازات الدبلوماسية قيمةٌ أقل من ورقٍ مهمل، لا هيبة لها ولا احترام.

في الوقت ذاته، كنتُ أتردّد على وزارة التعليم العالي، أساعد الطلاب في إنجاز معاملاتهم، وأحاول تأمين منحةٍ لنفسي. وبالفعل، أضافني الأصدقاء في الوزارة إلى حصة محافظة الضالع، وكان من نصيبي “جامعة تونس المنار – ماجستير قانون دولي”، لكن السياسة أخرجتني من الكشف في ليلةٍ وضحاها. لم أبالِ، فأنا رجلٌ وضع نصب عينيه هدفًا ساميًا، والسقوط لا يهزّني، والعراقيل لا تثنيني.

كان العام 2018، وقرّرتُ عنده أن أعمل ساعةً بساعة في المحاكم صباحًا، وأستغل الفرصة في نقابة المحامين بعد الظهر، حيث كنتُ أقضي وقتي هناك، أجالس أهل القانون، وأبني لنفسي قاعدةً متينة في عالم المحاماة، تحسبا لأي طارئ.

في نقابة المحامين بعدن، وجدتُ ما لم أجده في نقابة صنعاء

هنا، كان النقيب وأعضاء النقابة يجتمعون في مجلس مقيل، يتداولون ملفات المحامين المتدربين والابتدائيين والاستئنافيين والعليا، فتجد القضايا تُناقش، والقرارات تُتّخذ، والمصائر تُرسم في جلسة واحدة. إذا تقدمتَ اليوم بملفك، غدًا تجد بطاقتك في جيبك. أما في صنعاء، فالأمر مختلف، إذ قد تمرّ الأشهر، وربما أكثر، قبل أن ترى البطاقة طريقها إليك.

عدتُ من مأرب إلى عدن، وكان في نفسي رغبةٌ للالتحاق بمكتب أحد المحامين من أسرة الشعيبي الضالع. قدّم لي مذكرة قبول إلى النقابة، لكن كان هناك شيء في داخلي لم أستطع تجاوزه، إحساسٌ عميق بأن الرحلة لم تكتمل بعد، وأن الطريق الذي أسلكه مليءٌ بالتحولات التي لم أفهم حكمتها حينها.

كنتُ غارقا في متاهة السفر إلى المغرب، بين متابعةٍ مرهقة، وإجراءات باردة لا روح فيها، وخسائر فادحة لم تكن ضمن حساباتي. شعرتُ بأنني أمام جدارٍ صلب، فقررتُ السفر مؤقتًا إلى صنعاء، إلى المكتب الذي احتضن خطواتي الأولى في هذا الطريق الطويل. وهناك، اتخذتُ قراري: سأقدم رسميا للنقابة، حتى أواجه غدر الأيام، فإذا تعثّر القضاء، بقي لي طريق المحاماة، ذلك الهدف الذي رسمته منذ البداية كطريقٍ آخر للأمان.

وصلتُ إلى المكتب، فبادر الأستاذ رسّام برفع المذكرة إلى النقابة دون تأخير. بعدها، أخذتُ استراحة محارب، أيامٌ معدودة التقطتُ فيها أنفاسي، قبل أن أعود إلى عدن بروح أقوى وعزيمة أشد.

في تلك الفترة، طُلب منا تجديد الترشيح للدراسة في الرباط، وحين ذهبنا إلى الوزير، وجدنا أن سياسة الابتعاث قد تغيّرت، وكأن الرياح تأبى أن تسير بسفننا حيث نشتهي. لجأتُ إلى القاضي محسن طالب الحوشبي، والد الزميل العزيز وضاح، والرئيس الحالي للمجلس الأعلى للقضاء في عدن، لكنّه اعتذر، موصيًا إيّاي بالتوجه إلى القاضي الراحل فهيم الحضرمي، رجل الدولة، وأستاذ الدبلوماسية. لم أكن أعرفه شخصيا، لكنني درستُ شخصيته، قرأتُ عنه، عرفتُ طموحاته وأحلامه، فدخلتُ عليه، وقلتُ له:

**”لقد ساءنا ما سمعنا، يا حضرة القاضي، كُنّا نترقب أن يتم تعيينك وزيرا للعدل، لكننا فوجئنا بتعيين الغريب !
أنت أهلٌ لهذه القيادة، والمحكمة التجارية في صنعاء شاهدة على ذلك.”

دار بيننا حديثٌ طويل، كان صوته هادئا لكنّه يحمل في طيّاته ألم العارف ببواطن الأمور. نظر إليّ أخيرًا وقال:

“أطلب، ماذا تريد مني؟ أنا مستعدٌ لخدمتك.”
عرضتُ عليه قضيّتي، شرحتُ له الأزمة التي أمر بها أنا وزملائي، لكنّه لم يُخفِ عني حقيقة أن الأمور داخل الوزارة ليست على ما يرام، وأن الرياح تجري بما لا تشتهي سفن الطامحين. خرجتُ من عنده وأنا أشعر بثقلٍ جديد على كاهلي، لم يكن إحباطا بقدر ما كان يقينًا بأن الطريق أكثر وعورة مما ظننتُ.

لم نيأس، حاولنا وحاولنا، ولكن دون جدوى…

حينها، أصبحت عدن تضيقُ بي، وكأن جدرانها تتقلص مع كل محاولة فاشلة. لم أعد أطيق البقاء فيها إلا على مضض، فكنتُ أهرب من تعبها وإرهاقها إلى منطقة سناح، حيث أجد السلوى بين أبناء العم، هناك حيث المهندس الكبير والشهم الوفي يزيد بيرق أبو رعد وأخيه المهندس محمد ناجي وأبنائه، أصحاب الوجوه البشوشة والأنفس الكريمة. كنتُ أعمل في عدن أسبوعين أو ثلاثة، ثم أخرج ليوم ونصف إلى عند يزيد، الرجل الذي كان يستقبلني في الفرزة بحفاوة وترحاب، يقدّم واجب الضيافة بأكمل وجه، ثم يودعني بحزن لا تخطئه العين، وكأنّه يعلم أنني أعود إلى مدينة لم تعد تتسع لي.

وفي قعطبة، كنتُ ألتقي بالأستاذ نايف القحيف، وزميلي في المدرسة الأولى ماهر صالح عبد الله، وإخوته سلطان ومحمد، رجالٌ كانوا مثالا للكرم والوفاء، أصحاب المجالس التي لا تُمل، حيث الأصالة مُمتدّة، والقَبيلة ليست مجرد انتماء، بل إرثٌ حيٌّ متجذّر.

الطريق إلى الحلم: بين الأمل والمعاناة

دخلنا عامنا الثاني، وما زال السفر حلما مُعلّقا في الفراغ، كطائرٍ جناحاه مقيدٌ بسلاسل الزمن. لم نحصل على مبتغانا، لكنّنا لم نستسلم. كنّا نبحث عن أي ثغرة في جدار الواقع، عن نافذةٍ تُطل بنا على الأمل، عن فرصةٍ تُسهّل لنا الرحيل واللحاق بدفعة القضاء… لم يكن الطريق مُغلقا تماما، لكنّنا كنّا ندرك أن الأقدار لا تمنح أحلامنا بسهولة، وأن درب الطموح ليس مفروشًا بالورود، بل هو طريقٌ وعرٌ لا يسلكه إلا من آمن بأن الإرادة تصنع المعجزات.

وبينما كنا نُصارع الواقع، فتحت لنا نافذةُ أملٍ جديدة، إذ تلقينا – أنا وزملائي وضاح محسن طالب، خالد القريضي، وحمود سلام – دعوةً كريمةً من جامعة عين شمس لحضور مؤتمر حول التحكيم الدولي في المنازعات الإلكترونية. غير أن المشكلة لم تكن في الدعوة، بل في جوازات السفر، إذ لم يكن باستطاعتنا السفر بجوازاتنا العادية، وكان لا بد من جوازات المُهمّات الرسمية التي تُسهّل عبورنا إلى مصر.

اتفق الزملاء على أن يتم التوجه إلى محافظ الضالع، اللواء فضل الجعدي، لطلب مذكرة منه إلى وزير الخارجية اليماني لقطع الجوازات المطلوبة. لكن من سيخوض هذه المُهمّة؟ التفتوا إليّ وقالوا: “هذه المهمة لا يقدر عليها إلا بيرق، هو من يستطيع إقناع المحافظ.”

ابتسمتُ وأجبتهم: “توكلنا على الله، لنجرّب حظنا.”

في تلك الليلة، جلسنا نعدّ المذكرة باسم المحافظ، كما اعتدنا أن نفعل في أي معاملة رسمية. لكن بقيتُ محتارا في أمري: من سيدخلني إلى مكتب المحافظ؟

تواصلتُ بالقاضي محسن طالب، وقلت له: “يا قاضينا، أنا وولدك في مذكّرة واحدة، ونحتاجك أن تصنع اتصالا بالمحافظ، فكلمتك مسموعة، وأنت رئيس استئناف المحافظة.”

لكن القاضي رفض بلطف، وقال: “يا أستاذ سنان، رجاء لا تحرجني، أنا رجل قانون، والكل يعرفني، ولا أريد أن يمسك عليّ المحافظ نقطة ضعف.”

حاولتُ إقناعه، لكن دون فائدة، فأضاف: “أنت لديك لسان وأسلوب مقنع، توكّل بنفسك.”

قلت: “خير، على الله الاتكال.”

تواصلتُ بعد ذلك بابن عمي الفندم صلاح، الذي عرض عليّ حلًا آخر، حيث قال: “ابشر، سأرتّب لك لقاءً مع مدير داخل المحافظة، وهو رجل نحترِمه ويُحبنا.”

أخذتُ أنفاسي، وتجهّزتُ للذهاب، وكنا حينها في 25 رمضان. في ذلك اليوم، كنتُ قد أنجزتُ عملا لابن عمي الدكتور زين بيرق داخل وزارة التعليم العالي، فأرسل لي خمسين ألفا كمكافأة، مبلغٌ كان يعني لي حينها ما يفوق قيمته الحقيقية بكثير، وكأنه خمسمائة ألف أو أكثر.

اللقاء الحاسم مع المحافظ

انتظرتُ حتى ظهر السابع والعشرين من رمضان، ثم انطلقتُ صوب مبنى محافظة الضالع. وقبل أن أصل، اتصلتُ بالمدير الذي كان من المفترض أن يساعدني، لكنه قال بصوت مُعتذر:
“يا بيرق، المعذرة… والدتي أصيبت بجلطة البارحة، وأنا الآن في عدن، أسعفها.”

صُدمتُ للحظة، ثم قلتُ لنفسي: “مادام ابن القاضي محسن طالب في رأس القائمة، فلن أخسر شيئًا، سأجعلها ورقة ضغط وأمضي في طريقي.”

وصلتُ إلى مبنى المحافظة مرتديا الزي الرسمي، أحمل حقيبتي الدبلوماسية، ودخلتُ إلى هناك بعزيمة لا تعرف التردّد. التقيتُ بأحد المسؤولين، عرضتُ عليه الأمر، لكنه بدأ يملأ رأسي بالتهويلات والمخاوف، وكأنه يحاول ثنيي عن طلبي. قطعتُ حديثه وقلتُ:

“افتح لي الباب، وكثّر الله خيرك، أنا وحظي.”

فتح الباب، فدخلتُ على المحافظ، حيّيته باحترام، وعرّفته بنفسي قائلًا:

“أنا مرسل من القاضي محسن طالب، يُقرأك السلام، ويطلب منك خدمة لولده ولي ولثلاثة من زملائي.”

شرحتُ له الأمر، لكنه نظر إليّ وقال ببرود:

“لماذا تريد توجيهًا من المحافظ؟ اذهب إلى الخارجية، وأنت وفلوسك.”

رفعتُ حاجبيّ، ثم قلت بحزم:

“لا يا فندم، نحن تعلمنا منكم النظام، ونعلم أن المحافظ هو الرئيس الإداري، ومن خلاله تُقضى شؤون أبناء محا فظته. لا نريد أن يُقال إن فلانًا اشترى جوازًا خاصًا بفلوس، وهو ذاهب لتمثيل الدولة في العالم الخارجي.”

وقبل أن أكمل العبارة، فتحتُ الحقيبة، وأخرجتُ منها المذكرة التي أعددتها الليلة الماضية، ووضعتها أمامه قائلًا:

“ضع توقيعك الكريم، يا صاحب المعالي.”

نظر إليها، ثم التفت إلى أحد مساعديه قائلاً:

“انظر كيف الرجال تصنع الفرص، انظر!”

وقّع المذكّرة، شكرته، وخرجتُ مسرعًا إلى المدير لطلب الختم الرسمي، قائلًا له:

“الختم بسرعة، أريد أن أتناول الإفطار في دار القاضي.”

ختمتُ المذكرة، وأرسلتها للزملاء، ولم يعلم القاضي محسن طالب إلى يومنا هذا أنني استخدمتُ اسمه لتسهيل الأمر… لكنني كنتُ مضطرا، والوقت لم يكن يسمح بالمجاملات.

حين ضاعت الدبلوماسية بين الأيادي

في عاشر العيد، عدنا إلى عدن، وهكذا استمرت المعاناة…

توجهنا إلى ديوان عام وزارة الخارجية، لكننا لم نجد سوى قسم التصديقات على الأوراق والعقود. أما من تحدّثه عن الجوازات الحمراء، فيقول لك بأسى:

“الله يرحم الوزارة… بعد أن أخذ حقيبتها المخلافي، وتاجر بسمعة الدبلوماسية.”

كانت تلك الجملة كفيلة بإخماد آخر فتيلٍ للأمل في داخلي… لكنني كنتُ أعرف أنني لن أستسلم، حتى لو تحوّل الطريق إلى سرابٍ جديد.
**في عام الحزن والمرض، عام 2018 المشؤوم، نالت مني حمى الضنك كما لم يفعل شيء من قبل. لم أكن أعلم لها سببًا سوى تراكم العراقيل التي أحاطت بمنحتي وسفري، وكأن الحياة قرّرت أن تثقل كاهلي بمحنة لا هوادة فيها. اجتاحتني الحمى كما يجتاح الحريق هشيم الغابات، قطّعت مفاصلي، استنزفت قواي، أسقطتني أرضًا عاجزًا حتى عن قطع بضع خطوات. لكنني، وكعادتي، لا أستسلم للمرض، أقف في وجهه بصمودٍ عنيد، لا ألجأ إلى الطبيب إلا عندما يصبح الألم سكينا ينحت في عظامي بلا رحمة.

هذه المرّة، كان المرض أشرس مما ظننت. امتص شهيتي، صادر مني القدرة على الأكل والشرب، جعلني أذبل في صمت دون أن أخبر أحدًا، حتى أهلي ظلوا في جهلٍ بمرضي، فلا أحب أن أشاركهم أوجاعي. لكن القدر أرسل إليّ ابن عمي وأخي في المحنة، أحمد حسن القاضي بيرق، الذي رأى وهن جسدي وأخذني إلى مستشفى النقيب رغمًا عني.

في المشفى، أكّد الأطباء أنني في بدايات حمى الضنك، ووضعوا لي مغذيات، وتركوا لي واحدة أخرى لأتناولها بعد برهة. وعندما أقبل الطبيب ليحقنني بها، نظرت إليه نظرة ملؤها الشك، شيء ما في وجهه جعلني أتوجّس. لم يكن واثقا، ولم يكن متمرسًا. حدسي صرخ بي: لا تسمح له بلمسك. لكنّي كنت واهنا، لا حول لي ولا قوّة، وما كان مني إلا أن استسلمت لرأي أحمد، الذي أصر على أن أتلقّى المغذية هناك.

حاول الطبيب أن يجد وريدًا في ساقي اليمنى، لكن يديه المرتعشتين وخبرته الضحلة جعلتاه يخبط خبط عشواء، وكأنّه تائه في صحراء شاسعة يبحث عن منفذ للحياة. وخزني هنا وهناك، كأنّه يبحث عن كنزٍ ضائع، ثم غرس المغذية حيث لا يجب، ودّعت المستشفى وأنا أشعر أن شيئًا خاطئا قد حدث، لكن أحدا لم يُصدّقني.

لم تمضِ ساعات حتى بدأ الألم في ساقي يتفاقم، وبدأ الورم يكبر، وكنت أعلم أن شيئا ما ليس على ما يرام. أخذني أحمد برفقة الصديق بدر إلى مستشفى عدن الألماني الدولي، حيث أُعيدت الفحوصات، وصُدمت بالحكم الصادر بحقي: “حمى ضنك في أعلى درجاتها، ولا بد من العناية المركّزة فورًا”. يا للهول! كيف لي أن أدخل العناية المركّزة، حيث الموت يحوم كطيفٍ ثقيل، والرقود هناك يكلّف ثلاثين ألف ريال لليلة الواحدة؟ لكن لم يكن هناك مفر، فالطب لا يعرف التردد، وإلا سيكون الثمن حياتي، وحياتي غالية.

دخلت العناية المركّزة، ذلك المكان الذي يفتح فيه المرء عينيه وهو حي، ويغلقهما بعدها إلى الأبد. ستّة أيام وأنا أشاهد أرواحًا تغادر، أشخاصا يأتون بآلامهم ولا يعودون إلا مسجّين. وهناك، رأيت من المشاهد ما لن أنساه أبدًا؛ امرأة أربعينية احترق جسدها وكأنها خرجت توا من فرن مشتعل، صراخها ملأ المكان، انتفخ جسدها حتى صار ضعف حجمه، وكانت تستجدي الموت خلاصًا. عندها، شعرت أن ألمي لا شيء أمام ألمها، لكن تلك الصرخات بقيت عالقة في أذني، تلاحقني إلى يومنا هذا، وكأنّها ترنيمة من عذاب لا ينتهي.

لكن مأساتي لم تنتهِ هنا. ففي العناية المركّزة، كان الورم في ساقي يزداد حجمه بشكل مخيف، حتى باتت ملابسي تعجز عن تغطية ذلك الانتفاخ المريع. احتشد حولي الأطباء، بعضهم ينظر إليّ بدهشة، وبعضهم بخوف، ثم جاء الطبيب الكبير برفقة فريقه، وقرّروا أن الحل الوحيد هو شفط السوائل المتجمّعة. وافقت، رغم أنني كنت أعلم أن المخدّر لم يفعل شيئا في جسدي الواهن، فشعرت بشفرات الجراحة تقطع لحمي، شعرت بكل شيء، وكنت على وشك أن أمسك برقبة الطبيب لو كنت أملك القوة لذلك. أخرجوا من ساقي لترا كاملا من السوائل المتعفنة، ومعها خرجت لعنتي، وكأنني استعدت ساقي الحقيقية بعد أن كادت تصبح شيئًا غريبًا عني.

ورغم كل ما مررت به، لم أخبر أبي ولا أمي بشيء. لم أشأ أن يحملا همّي، لطالما كنت الجدار الذي يحجب عنهما الألم. لكن الصديق الصحفي صالح المثنى زارني، وحين لم يُسمح له بالدخول، كتب عني مقالًا صغيرًا يدعو لي بالشفاء، ويا ليته لم يفعل! فبمجرد نشره، وصل الخبر إلى أمي وأبي، وإلى أهلي جميعًا، فانهالت الاتصالات، وانهار صمودي أمام قلقهم. حاولت تهدئتهم، لكن الضرر كان قد وقع.

وفي اليوم التالي، رأيت جدي محمد أبو صدام جالسا في ركنٍ من الغرفة، عينيه تفيض بالقلق. متى دخل؟ ومن أحضره؟ ثم انهالت الاتصالات من القرية، من مريس، من شقران، من كل مكان. لم يعد مرضي سريًا، بل صار ألما يتقاسمه معي أهلي جميعا، وخاصة أمي، التي لم تحتمل الخبر، فدخلت في دوَّامة حزنٍ تشاطرني فيه العذاب.

أرسلت لي علبة من العسل البلدي، كنت قد اشتريته بنفسي لأحمله معي إلى المغرب كهدايا، لكنه عاد إليّ الآن كدواء من قلب أمي. شربت منه، وشعرت بتحسّن يفوق تأثير كل الأدوية والمبالغ الطائلة التي أُنفقت على علاجي.

وبعد يومين من شفط السوائل، خرجت من المستشفى، وكان عيد الأضحى يطرق الأبواب. لم أشأ أن أبقى في عدن، أردت أن أعود إلى قريتي، أن أكون بين أهلي لأثبت لهم أنني ما زلت حيًا، رغم كل ما مررت به. وصلت إليهم جسدا منهكًا، نحيفًا، خسر من وزنه عشرة كيلوغرامات، لكنهم رأوني، وهذا كان كافيا ليطمئنوا. ومع الأيام، ومع الطعام البلدي، بدأت أستعيد عافيتي شيئا فشيئا، وكنت أخفي آثار جراحي، أجري عمليات التنظيف بنفسي، دون أن أخبر أحدًا، حتى أخي الأكبر أبو أورخان حذّرته من إفشاء سرّي، فأنا في عيون أهلي رمزٌ لا يجب أن ينكسر، وهم لا يعرفون سوى الكمال فيما يخصّني، خاصة والدي الذي يرى الأخطاء الطبّية لعنة لا تغتفر.

عدت إلى الحياة، لكني عدت بحكاية محفورة في الجسد والذاكرة، حكاية لن تُمحى أبدًا.

بين الغربة والضياع… رحلة البحث عن الحلم

عدتُ إلى عدن بعد أيام العيد، مثقلا بأحلامي وآمالي التي كنت أراها تكبر رغم العثرات. تواصلتُ مع الزملاء خالد وحمود ووضاح، نحاول معًا طرق أبواب السفر مرة أخرى، نبحث عن مخرج من هذا الضيق، عن فرصة لحياة مختلفة. كنت أقضي ساعاتي بين أروقة المحاكم والنيابات، لا لمال ولا لسلطة، بل طلبًا للمعرفة، تدريبًا للنفس، وصقلًا للمهارة. كنت أتنقل بين القضايا، أستمع وأتعلم، أخوض غمار المحاماة بغير تصريح رسمي، لأن الرخصة لم تصدر بعد، لكن العزيمة كانت أقوى من أي ورقة مختومة.

حاولنا مع وزارة الخارجية، ولكن لا جدوى. كل من قصدناهم أشاروا إلى صنعاء، حيث يمكننا الحصول على جوازات “مُهمّة” برسوم زهيدة، لكن بقيت المشكلة الكبرى: جوازات صنعاء لا يعترف بها أحد. رغم ذلك، حاولنا، غير أن المبالغ المطلوبة كانت فوق طاقتي، بينما استطاع الزملاء الآخرون تدبيرها. أدركتُ حينها أن لا جدوى من التمسّك بهذا الطريق، فعدتُ إلى عدن، أتابع عملي، أساعد الطلاب المبتعثين، وأشهد كيف يفر الناس من الحرب والموت، كيف يتكدس النازحون في الأزقّة، كيف يحمل المقاومون جراحهم ويمضون. رأيت الرجال، ورأيت الجبناء.

كنت لا أزال أقيم في فندق السنافر، وهناك، وجدت في الدكتور حاشد عبدالله وأخيه بدر رفيقين تقاسمنا معًا الضحك، والأحلام المؤجّلة. انتقلت لفترة إلى فندق الشعيب مع بعض أبناء منطقتي، ثم عدت إلى السنافر من جديد، حتى وجدتُ رفاقًا آخرين عرضوا عليّ مشاركتهم السكن في فندق أجمل وأرقى، فوافقت.

حملتُ حقيبتي إلى غرفة الاستقبال، حقيبة حملت كل ما كنت أملكه من ملابس السفر، كتب، وهدايا تجاوزت قيمتها 400 ألف ريال، ولم يبق معي سوى حقيبتي الصغيرة التي تحتوي على شهاداتي وجواز سفري. لم يكن معي سوى الملابس التي أرتديها. خرجنا نبحث عن فندق جديد، وغبنا يومين، وعندما عدنا لأخذ الحقيبة، وجدتُ الصدمة في انتظاري: الحقيبة غير موجودة!

صرختُ في وجوه الموظّفين، هرعتُ إلى كاميرات المراقبة، لأجد أن رجلًا عاد من الغربة، كانت له حقائب كثيرة، وضعت بجوار حقيبتي في الاستقبال، وحينما حمل العمّال أغراضه إلى باص “هايس” كبير، حملوا حقيبتي معه بالخطأ. تنفّستُ الصعداء حين عرفت أن سائق الباص معروف لإدارة الفندق، فطلب السكرتير الاتصال به، لكنه لم يرد، لمرة، لمرتين، لعشرات المرات… لا إجابة!

في اليوم التالي، جاء الخبر الصاعق: الباص تعرّض لحادث مروري مروّع، ومن كان فيه قد قضى نحبه. رحمات الله تغشاهم… تمتمتُ وأنا أحاول استيعاب الموقف، لكن الخسارة لم تتوقّف عند الأرواح، فقد اختفت حقيبتي إلى الأبد، حملت معها كل شيء، ولم تبقَ لي سوى ملابسي التي عليّ، وحقيبتي الصغيرة.

كان ذلك الموقف القشّة التي قصمت روحي، جعلني أكره عدن، أكره القضاء، أكره هذا النّضال الذي يسلبني كل شيء ولا يمنحني سوى الألم. لم تكن لديّ القدرة على شراء حتى قطعة ملابس جديدة، ومع ذلك، لم أيأس، كنت أتمتم: الرب هو المعوّض. حاول صاحب الفندق أن يعوّضني بمبلغ 200 ألف ريال من رواتب العمال، لكنني رفضت، لم يكن لي أن أظلمهم، لم يكن لي أن أحمل عاملًا بسيطًا خطأ لم يرتكبه عن عمد.

وفي النهاية، نجح الزملاء في الحصول على جوازات من وزارة خارجية صنعاء بمبالغ زهيدة، لكن المفارقة أن تلك الجوازات لم يكن بمقدورهم إظهارها في مطار عدن، لأنها غير معترف بها، فخبّأوها حتى وصلوا إلى القاهرة، وهناك، بعد كثير من التوسّلات، استطاعوا العبور إلى المغرب.

أما أنا، فقد بقيتُ، وقادني قدري نحو صنعاء، نحو المحاماة، نحو النضال الحقوقي، نحو الطريق الذي لطالما رأيته مقدّسا منذ أن كنت طالبًا في الجامعة. لم يكن المال غايتي، ولم تكن الشهرة هدفي، كنت أرى في هذا العمل رسالة عظيمة، مصنعا للقادة، ميدانا تُخدم فيه العدالة، تُنصر فيه المظالم، تُرفع فيه الأصوات الحرّة.
المحاماة كانت حرّيتي، كانت بوابتي للانتقال من مدينة إلى أخرى، من قضية إلى أخرى، لا تقيّدني منطقة، لا تمنعني حدود.

الطريق إلى القضاء… رحلة من الألم والأمل

دخلتُ المكتب، محمَّلًا بالشغف، مشبعًا باللهفة، كأنني ألقيت بروحي في بحر المحاماة دون تردّد، وغرستُ قدمي في هذا الطريق وكأنني ولدتُ لأكون هنا، لأكون جزءا من هذا العالم الصاخب، عالم البحث عن الحق وسط الضجيج، حيث تُسمع أصوات المظلومين، وتُخاض المعارك لا بالسيوف، بل بالكلمات والحجج.

في عام 2019، حصلتُ على بطاقة المحاماة، وبدأتُ العمل بشكل رسمي، لكن لم يكن يكفيني مجرد اللقب، بل كنت أبحث عن الجوهر، عن أن أكون محاميًا بحق، لا مجرد اسم على ورقة. حرصتُ على الاستفادة من المكتب، من أستاذي، ومن الأساتذة الذين يمرون علينا أو ألتقي بهم في المكاتب الأخرى. كنتُ أبحث عن القضايا النوعية، أتعلم من القضايا التجارية، والعمالية، والجزائية، والمدنية، والتجارة والصناعة، وأغرق في الملفات الهامة، خاصة تلك التي ترافع فيها عمالقة هذا المجال، أولئك الذين نُقِشت أسماؤهم في ذاكرة القضاء.

كنت أقرأ كثيرًا، أتابع، أدقّق، وأحاول أن أقوّي نفسي، وأن لا أُغتر مهما بلغت من التحصيل. كنت أرى بأم عيني كيف يسقط بعض المحامين، كيف يصبحون ضعاف الأداء، كتابة وشفاهة، لأنهم لم يتدرّبوا جيدا، لم يقرأوا بما يكفي، لم يصطحبوا أستاذا يوجههم، لم ينصهروا في هذا المجال كما ينبغي. كنتُ أحرص على التعلم من الأساتذة الأقدم مني، خاصة أن أستاذي كان كثير الانشغال، فكنت أستفيد من الآخرين، وأحمد الله أنني وجدتُ في الأستاذ مُحرَّم خير معلم ومرشد.

كان وجوده في المكتب فرصة نادرة، وكان كريما في علمه، سخيا في نصحه وإرشاده، كل كلمة تخرج منه كنتُ أعتبرها أغلى من الذهب. لم يكن بخيلا بالمعرفة، ولم أكن متخاذلا في التعلّم، بقيتُ إلى جانبه قرابة عام، حتى شعرتُ أن ما في رأسه قد انسكب في عقلي، وأنني أصبحتُ أرى الأمور بعين مختلفة، أكثر نضجًا، أكثر وعيا.

وفي عام 2021، أُعلن عن فتح باب القبول في المعهد العالي للقضاء. حينها، لم أعد أطيق المغامرات، فقد أرهقتني محاولة السفر إلى المغرب – الرباط للدراسة هناك، وأخذت مني كل جميل، خسرتُ في تلك المحاولة ملايين الريالات، لم يكن ذلك المال مالي وحدي، بل ديون استدنتها من أصدقاء أعزَّاء، كنتُ أمنّيهم وأمنّي نفسي بالسفر والعودة، ولكنّها كانت خطوة لم تُكتب، وطريقا لم يُفتح.

ورغم كل شيء، لم يكن الطريق مظلما تماما، فقد استطعتُ سداد نصف تلك الديون قبل أن أصل إلى صنعاء، بفضل مكافآت حصلت عليها من طلاب مبتعثين كنتُ قد ساعدتهم ذات يوم، ثم نسيت ذلك تمامًا، لكن الجميل لا يُنسى، والخير يعود لصاحبه. أتذكّر جيدًا أحدهم، شاب من بيت الصريمي، كنتُ قد ساعدته في الوزارة مساعدة لم تكن كبيرة، ثم مضى كلٌّ منا في طريقه.

مرت سنتان، وإذا بي أتلقى اتصالا من قريب له، كان الوقت صعبًا، المحاكم مغلقة، والأوضاع المالية للمحامين شحيحة، وكنتُ بالكاد أُدبّر أموري. قال لي المتصل:
“معك فلان، قريب فلان الصريمي الذي ساعدته بالمنحة، أعطني اسمك كاملًا.”

ثم أرسل لي 300 دولار. وقفتُ مذهولًا، أتساءل كيف يأتي العوض بهذا الشكل؟! لقد كنت قد نسيت تلك المساعدة تمامًا، لكنها عادت إليّ في الوقت المناسب، لتؤكد لي أن الخير لا يضيع، وأن الأقدار تُدبَّر بطرق لا نتخيّلها.
استطعتُ سداد نصف ديوني بفضل عملي في وزارة التعليم العالي، والجزء الآخر تكفّلت به المحاماة، وإن كنتُ لم أقضِه بالكامل بعد. ومع ذلك، قرّرتُ أن أخوض المغامرة من جديد، لكن هذه المرة ليس خارج البلاد، بل داخلها.

حكاية العدالة الموءودة والحلم الذي تبدَّد

فتح معهد القضاء أبوابه، فوجدت نفسي أمام فرصة لا تتكرّر. خاطبت ذاتي قائلاً:
“هذه فرصتك، لن تتراجع هذه المرة… ستسجِّل!”

سجَّلت، متوكلاً على الله؛ فإن كان في الأمر خيرٌ يسّره، وإن كان غير ذلك، فلا بأس، فقد أحببت المحاماة وألفتُها، صنعت فيها علماً وعلاقات، وخَبِرت دروبها الوعرة. لم أكن أسعى إلا لشرف خدمة العدالة ونصرة المستضعفين.

بدأت الدوامة الإدارية المرهقة، سلّمتُ ملفي الكامل وعدت إلى قريتي لقضاء إجازة قصيرة قبل استكمال الإجراءات، لكن قبل أن أغادر صنعاء، رنَّ هاتفي برقم غريب. من عادتي ألا أجيب، لكن يدي رفعت الهاتف بلا وعي. جاء الصوت جافًا، قاسياً:
“ملفّك مرفوض!”

تسارعت نبضاتي، سألتُه: “لماذا؟”
قال ببرود: “لأن شهاداتك معمّدة من عدن، وعدن غير مقبولة لدينا!”

حاولت ضبط نفسي، لكن الغضب تسلّل إلى نبرتي: “ومن أنت حتى ترفض شهادات عدن؟ عدن يعترف بها العالم بأسره!”

لكنني تداركت الأمر سريعًا، فأنا بحاجة إلى التسجيل، والهدوء حكمة. فأجبته بلهجة أخف:
“حسنًا، سأراكم غدًا.”

وفي الصباح، كنت أمامهم مجددًا، أستوفي ما طلبوه، ثم ركضت بين الوزارات والمؤسّسات، ختمت الوثائق، قدَّمتها من جديد، وعدت إلى قريتي. لم يطل الهدوء، إذ عاد الرقم ذاته ليخترق راحتي:
“سجل درجاتك غير مقبول، إنه صورة سكانر وليس أصلاً!”

قمتُ من فراشي، هذه المرّة كانت نبرتي أشدَّ صرامة: “بل هو أصل!”
لكن لا فائدة، فالمسألة لم تكن سوى لعبة تزداد قسوة مع كل جولة جديدة.

عدت إلى صنعاء مع الفجر، تنقّلت بين المكاتب مجددًا، ختمت الوثائق، وقاتلت من أجل إجراء الفحص الطبي، الذي امتدَّ لواحد وثلاثين يومًا، حتى كدتُ أنسى أمر التسجيل.

أُعلِنت نتائج الامتحانات التحريرية، نجحتُ، ثم انتقلتُ للشفوية، واجتزتها بثقة، وبعد انتظار طويل، حانت المقابلة الشخصية.

وقفتُ أمام لجنة من اثني عشر شخصًا، أغلبهم بعمائم بيضاء وسوداء: وزير العدل، النائب العام، عميد المعهد، قضاة، وأئمة. دخلتُ واثقًا، كما أوصاني أحد الأصدقاء:
“ادخل إليهم وكأنك أنت من سيمتحنهم، وليس العكس.”

أمطروني بأسئلة لم تكن ذات أهمية، لكنني كنت صلبًا، صقلتني المحاماة، فجعلتني جريئا، وعلّمتني العقبات كيف أثبُت أمام العواصف.

في لحظة الصمت التي تخلّلت أسئلتهم، كنت أشعر بنظراتهم تتسلّل إلى يدي، لم تكن تحدق بي، بل كانت مسمّرة على خاتمي، ذلك الخاتم الحميري العتيق، الذي حمل في نقوشه صدى ماضٍ عريق. رأيت في أعينهم بريق الطمع، ورأيت كيف سال لعاب البعض كأنهم أمام كنز من ذهب.

كان خاتمًا حصلت عليه منذ سنوات، مكسورا ومنسيّا، لكنه لم يكن مجرد معدن، بل قطعة من التاريخ، فصغته من جديد، وأعدت إليه بريقه، حتى غدا يلمع كنجم في ليلة حالكة. حين يقع بصرك عليه، يتداعى إلى ذهنك ملوك حمير الذين قرأت عنهم في الكتب، ويخطر لك سلاطين الدولة العثمانية وأمراء بني سلجوق، كأن أيديهم قد تزينت به ذات يوم.

لم يكن خاتمًا عاديًا، ولم أكن أرتديه في أي مناسبة، لكنه كان هناك في تلك اللحظة، شاهدًا على محكمة الظلم، يسرق أنظارهم كما سرقت هذه التجربة مني عاما من عمري…

حين انتهت المقابلة، سُمعت الهمسات بين أعضاء اللجنة:
“لقد قُبلت يا بيرق.”

لكنني أعرفُ الدنيا جيدا، وأومن بالحكمة القائلة: “لا تصدّق إلا ما هو بين يديك.”

انتظرتُ ستة عشر يومًا، ثم أُعلنت النتيجة النهائية… وخلا القرار من اسمي.

كتبتُ مقالًا فاضحا لكل ما جرى، انتشر كالنار في الهشيم، قرأه الناس في كل مكان. وفي اليوم التالي، أُعلنت الحرب الإعلامية. شكّلنا طوفانًا بشريًا أمام وزارة العدل، هتفنا، صرخنا، واجهنا ظلما لم يعد خفياً.

استمرَّت الاحتجاجات ثلاثة أشهر، وصل صوتنا إلى كل الجهات، حتى اتهمني الوزير بأنني محرضٌ، خارجٌ عن النظام، مدعومٌ من جهات معادية، بينما كنت أمضي أيامي مشيًا على الأقدام، من شميلة إلى وزارة العدل.

لكن الحق لا يموت. تضامن معنا الأحرار، ومنهم القاضي الشجاع أحمد سيف حاشد، الذي زأر باسمي تحت قبّة البرلمان، وأرغم الوزير على المساءلة.

ورغم كل ذلك، كان للظلم أيدٍ طويلة، وكنتُ كمن يحفر في بحر. فحين بلغ اليأس مبلغه، دفنا شهاداتنا داخل مقبرة بصنعاء، وصرخنا في وجه العالم، حتى التقطتنا عدسات الجزيرة والعربية والمسيرة وكل القنوات.

لكن في النهاية، لم ينصفنا أحد.

عندها، أحرقتُ كل سفني، مزّقت كل فكرة تتعلق بالقضاء، وقلت لنفسي: “هناك مهنة أسمى، هناك المحاماة!”
وفي هذا الطريق، واصلتُ، فلم أعد ذلك الشاب الحالم بالقضاء، بل صرتُ محاميا يسطع اسمه، ويصل صوته، ويشقّ طريقه في عالم الحقوق والسياسة.

من بين سطور الفشل، وبين خيوط الغدر التي حاولت أن تحاصرني، نهضتُ كالنخيل في وجه الرياح العاتية. لم يكن هناك مكان للضعف في روحي، ولا مساحة للهزيمة في قلبي. رغم الألم، ورغم محاولات تحطيمي، كانت كل لحظة من هذه المعركة تزرع فيَّ عزيمة أقوى، وتصنع مني إنسانا لا يعرف الاستسلام. لم تكن المحن إلا محطّات على طريق عزيمتي التي لا تلين.

واليوم، في لحظة انتصارٍ لم يكن له موعد، أجد نفسي أقف شامخا، ليس فقط في المحاماة، بل في ساحة الحياة التي ما زالت تُكتب فيها ملاحم الأبطال. في عالمٍ يعصف فيه الظلم، وجدت في العدالة سلاحي، وفي الحق منبعي، فقرّرت أن أكون صوتا للمظلومين، وأن أرفع لواء الحقيقة في وجه الفساد. لم أكن يوما مجرد رقم، بل أنا الرقم الذي لا ينسى، الاسم الذي سيظل يسطع بأحرف من نور، الذي صمد وارتقى فوق كل المصاعب.

اليوم، لا أستطيع إلا أن أستمد قوتي من كل لحظة مررت بها. كل الألم الذي عشته كان يعلّمني كيف أكون أقوى، وكيف أواجه الحياة بلا خوف أو تردّد. وكما قال لي أولئك الذين درسوا في معهد القضاء في المغرب: “نحسدك يا بيرق، فقد صنعت اسما لنفسك وأصبحت صوتا مسموعا، لم تعد مجرد رقم في طابور الانتظار.”

لقد أثبتُ للجميع أن الأمل لا يموت، وأن السعي وراء الحق لا يتوقّف مهما كانت التحديات. ومن خلال المحاماة، وبالمحاماة، ومن خلال النشاط الحقوقي، سأظل أرفع راية العدالة، وأنا على يقين بأن كل خطوة أخطوها هي خطوة نحو تحقيق حلم لن يتوقّف. “لن أكون الرقم الذي يُنسى، بل سأظل الرقم الذي يظل أكبر من كل من وقف في وجهي، وأقوى من كل من حاول إسقاطي”.

للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليغرام انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى